محمد عبد الله دراز
340
دستور الأخلاق في القرآن
السّنة ، الّتي تقرر أنّ هناك درجة أخرى من التّبعية الّتي تتصف بها إرادتنا بالنسبة إلى إرادة الخالق ، ومع ذلك فلسنا قادرين على أن نفعل ذلك إلّا إذا صغنا على الأقل تحفظين أوحى إلينا بهما القرآن . أوّلهما : أنّ هذا الفضل الّذي يمنحه اللّه سبحانه لبعض العباد ، ويمنعه من دونهم لا يمكن أن يشتمل على محاباة ، أو اعتساف ، وعلى الرّغم من أنّ بعض النّصوص شديدة الإيجاز تنم أحيانا عن نوع من الإرادية المفرطة : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ * « 1 » - فإنّ الإرادة الإلهية تبدو منظمة في ذاتها ، تبعا لما يتطلبه علم وعدالة معصومين ، فهي تتدخل لصالح من يستحق التّدخل : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها « 2 » ، ولصالح من يعترف بالفضل : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ « 3 » ، والّذي يتعطش لتلقيه ، فيبدو قلبه أهلا لاستقباله : فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ « 4 » . أمّا الذين هم بعكس ذلك ، قد أغلقوا الأعين عن النّور ، وسدوا آذانهم عن النّصيحة الطّيبة . فإنّ اللّه يذرهم في عماهم ، وصممهم ، لأنّ القادر المقتدر لا يتدخل عبثا مطلقا : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ « 5 » ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ
--> ( 1 ) النّحل : 93 ، وفاطر : 8 . ( 2 ) الفتح : 26 . ( 3 ) الأنعام : 53 . ( 4 ) الفتح : 18 . ( 5 ) الزّخرف : 36 .